ابن الجوزي

155

صيد الخاطر

فعليك يا طالب العلم بالاجتهاد في جمع المال للغنى عن الناس ، فإنه يجمع لك دينك ، فما رأينا في الأغلب منافقا في التدين والتزهد والتخشع ولا آفة طرأت على عالم إلا بحب الدنيا ، وغالب ذلك الفقر ، فإن كان من له ما يكفيه ثم يطلب بتلك المخالطة الزيادة ، فذلك معدود في أهل الشره ، خارج عن حيز العلماء ، نعوذ باللّه من تلك الأحوال . 110 - الفقه أفضل العلوم أعظم دليل على فضيلة الشيء النظر إلى ثمرته ، ومن تأمل ثمرة الفقه علم أنه أفضل العلوم ، فان أرباب المذاهب فاقوا بالفقه الخلائق أبدا ، وان كان في زمن أحدهم من هو أعلم منه بالقرآن أو بالحديث أو باللغة . واعتبر هذا بأهل زماننا ، فإنك ترى الشاب يعرف مسائل الخلاف الظاهرة فيستغني ، ويعرف من حكم اللّه تعالى في الحوادث ما لا يعرفه النحرير من باقي العلماء ، وكم رأينا مبرزا في علم القرآن أو في الحديث أو في التفسير أو في اللغة لا يعرف مع الشيخوخة معظم أحكام الشرع ، وربما جهل علم ما ينويه في صلاته . على أنه ينبغي للفقيه ألا يكون أجنبيا عن باقي العلوم ، فإنه لا يكون فقيها ، بل يأخذ من كل علم بحظ ، ثم يتوفر على الفقه فإنه عز الدنيا والآخرة . 111 - حفظ الفروع وتضييع الأصول رأيت كثيرا من الناس يتحرزون من رشاش نجاسة ولا يتحاشون من غيبة ، ويكثرون من الصدقة ولا يبالون بمعاملات الربا ، ويتهجدون بالليل ويؤخرون الفريضة عن الوقت ، في أشياء يطول عدّها من حفظ فروع وتضييع أصول ، فبحثت عن سبب ذلك ، فوجدته من شيئين : أحدهما العادة ، والثاني غلبة الهوى في تحصيل المطلوب ، فإنه قد يغلب فلا يترك سمعا ولا بصرا . ومن هذا القبيل أن إخوة يوسف قالوا حين سمعوا صوت المنادي ، « إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ » : « لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَما كُنَّا سارِقِينَ » ، فجاء في التفسير أنهم لما دخلوا مصر كموا أفواه إبلهم لئلا تتناول ما ليس لهم ، فكأنهم